ابن ميثم البحراني

33

شرح نهج البلاغة

أو لزيادة بيان إمّا تقوية لحال المذكور كقولك رأيت أسدا للإنسان الشجاع فإنّه أتمّ من قولك رأيت إنسانا يشبه الأسد في الشجاعة ، أو تقوية لحال الذكر وهو المجاز الَّذي يذكر للتأكيد أو لتلطيف الكلام قال الإمام : وتقريره أنّ النفس إذا وقفت على كلام فلو وقفت على تمام المقصود لم يبق لها إليه شوق أصلا لأنّ تحصيل الحاصل محال ، وإن لم يقف على شيء منه أصلا لم يحصل لها أيضا إليه شوق . أمّا إذا وقفت عليه من بعض الوجوه دون البعض فإنّ القدر المعلوم يشوّقها إلى غير المعلوم فيحصل لها بسبب علمها بالقدر المعلوم لذّة وبسبب حرمانها عن الباقي ألم فيحصل هناك تعاقب آلام ولذّات ، واللذّة إذا حصلت عقيب الألم كانت أقوى وشعور النفس بها أتمّ . إذا عرفت ذلك فنقول : إذا عبّر عن الشيء باللفظ الدالّ عليه على سبيل الحقيقة حصل تمام العلم به فلا تحصل اللذّة القويّة أمّا إذا عبّر عنها بلوازمها الخارجيّة عرّفت لا على سبيل الكمال فتحصل الحالة المذكورة الَّتي هي كالدغدغة النفسانيّة . مثال هذا إنّك إذا قلت رأيت إنسانا يشبه الأسد في شجاعته فقد حصلت المعاني بتمامها من ألفاظها الموضوعة لها فلم يحصل من اللذّة ما يحصل من قولك رأيت أسدا في يده سيف فإنّ الذهن هاهنا يتصوّر من لفظ الأسد معناه ولوازمه البيّنة كالشجاعة ثمّ ينتقل بسبب القرينة إلى ملاحظة وجه الشبه في الإنسان الَّذي هو الشجاعة فذلك الانتقال هو محلّ الدغدغة واللَّذة النفسانيّة . البحث السابع - فيما تنفصل به الحقيقة عن المجاز . إنّه إمّا أن يقع بالتنصيص أو الاستدلال أمّا التنصيص فمن وجوه : أحدها أن يقول الواضع هذا حقيقة وذاك مجاز ، وثانيها أن يذكر واحدا منهما ، وثالثها أن يذكر خواصّهما ، وأمّا الاستدلال فالحقيقة تعرف من وجهين أحدهما أن يسبق المعنى من ذلك اللفظ إلى فهم بعض السامعين من أهل تلك اللغة فيحكم بأنّه حقيقة فيه إذ لولا اضطراره إلى فهم ذلك المعنى من قصد الواضعين لما فهمه دون غيره ، وثانيهما أنّ أهل اللغة إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى اقتصروا على عبارات مخصوصة وإذا قصدوا بالتعبير الحسن بعد الفهم عبّروا بعبارات أخرى وقرّنوا بها قرائن فيعلم أنّ الأوّل حقيقة إذ لولا أنّه استقرّ في قلوبهم استحقاق ذلك اللفظ لذلك المعنى لما اقتصروا عليه ، وأمّا المجاز فيعرف أمّا أوّلا فمن عكوس ما ذكرناه في تعريف الحقيقة ، وأمّا ثانيا